القاضي التنوخي

275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

140 ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البرّ والإحسان تجارينا ذكر شدّة زماننا ، وفقر الناس [ 163 ب ] فيه ، وضيق أحوالهم ، واستحبابهم البخل ، حتى إنّ بعضهم يسميّه احتياطا ، وبعضهم إصلاحا ، وتوصية الناس بعضهم بعضا به ، وتحذّر التجّار من معاملات الناس ، ومسك الناس أيديهم عن الإحسان إلى أحد ، أو برّه ، أو إغاثة ملهوف ، أو التنفيس عن مكروب ، وإنّ ذلك في الأكثر لضيق أحوالهم . فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف « 1 » : لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم ، فيجبى « 2 » له من أصحابنا « 3 » الألف الدرهم ، والأقلّ ، والأكثر ، في يوم ، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك ، مع قلَّة عدد أصحابنا إذ ذاك . ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلَّم ، لجودة قريحته ، وكان يحتاج إلى مائة درهم في كل شهر ، فكلَّمت إبراهيم بن [ 190 ط ] خفيف الكاتب ، صاحب ديوان النفقات ، وكان من أصحابنا ، ورجلا آخر من أصحابنا ، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر ، كلّ واحد منهما خمسين درهما ، وكان الرجل يأخذها ، إلى أن خرج من بغداد ، سنين . ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي « 4 » [ رضي

--> « 1 » أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي : ترجمته في حاشية القصة 1 / 14 من النشوار . « 2 » في ب : فيجيء . « 3 » أصحابنا : يعني المعتزلة . « 4 » أبو الحسن الكرخي ( 260 - 340 ) : عبيد اللَّه بن الحسين بن دلال ، من كرخ جدان ، إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة ، وكان عابدا زاهدا ، رأسا في الاعتزال ، ترجمته في المنتظم 6 / 369 .